الشوكاني

257

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 92 - 93 ) لما بين سبحانه أنه ما آتاهم من العلم إلا قليلا بين أنه لو شاء أن يأخذ منهم هذا القليل لفعل ، فقال ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) واللام هي الموطئة ، ولنذهبن جواب القسم ساد مسد جواب الشرط . قال الزجاج : معناه لو شئنا لمحوناه من القلوب ومن الكتب حتى لا يوجد له أثر انتهى ، وعبر عن القرآن بالموصول تفخيما لشأنه ( ثم لا تجد لك به ) أي بالقرآن ( علينا وكيلا ) أي لا تحد من يتوكل علينا في رد شئ منه بعد أن ذهبنا به والاستثناء بقوله ( إلا رحمة من ربك ) إن كان متصلا فمعناه إلا أن يرحمك ربك فلا نذهب به ، وإن كان منقطعا فمعناه لكن لا يشأ ذلك رحمة من ربك ، أو لكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ( إن فضله كان عليك كبيرا ) حيث جعلك رسولا وأنزل عليك الكتاب وصيرك سيد ولد آدم ، وأعطاك المقام المحمود وغير ذلك مما أنعم به عليه . ثم احتج سبحانه على المشركين بإعجاز القرآن فقال ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ) المنزل من عند الله الموصوف بالصفات الجليلة من كمال البلاغة وحسن النظم وجزالة اللفظ ( لا يأتون بمثله ) أظهر في مقام الإضمار ، ولم يكتف بأن يقول لا يأتون به على أن الضمير راجع إلى المثل المذكور ، لدفع توهم أن يكون له مثل معين ، وللإشعار بأن المراد نفى المثل على أي صفة كان ، وهو جواب قسم محذوف كما تدل عليه اللام الموطئة ، وساد مسد جواب الشرط ، ثم أوضح سبحانه عجزهم عن المعارضة سواء كان المتصدي لها كل واحد منهم على الانفراد ، أو كان المتصدر بها المجموع بالمظاهرة فقال ( ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) أي عونا ونصيرا ، وجواب لو محذوف ، والتقدير : ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا لا يأتون بمثله ، فثبت أنهم لا يأتون بمثله على كل حال ، وقد تقدم وجه إعجاز القرآن في أوائل سورة البقرة في هذه الآية رد لما قاله الكفار - لو نشاء لقلنا مثل هذا - وإكذاب لهم . ثم بين سبحانه أن الكفار مع عجزهم عن المعارضة استمروا على كفرهم وعدم إيمانهم فقال ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ) أي رددنا القول فيه بكل مثل يوجب الاعتبار من الآيات والعبر والترغيب والترهيب والأوامر والنواهي وأقاصيص الأولين والجنة والنار والقيامة ( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) يعنى من أهل مكة ، فإنهم جحدوا وأنكروا كون القرآن كلام الله بعد قيام الحجة عليهم ، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم ، وأظهر في مقام الإضمار حيث قال : فأبى أكثر الناس توكيدا أو توضيحا ، ولما كان " أبى " مؤولا بالنفي : أي ما قبل أو لم يرض صح الاستثناء منه قوله ( إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك ) أي قال رؤساء مكة كعتبة وشيبة ابني ربيعة وأبى سفيان والنضر بن الحرث ، ثم علقوا نفي إيمانهم بغاية طلبوها فقالوا ( حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم " حتى تفجر مخففا مثل تقتل . وقرأ الباقون بالتشديد ، ولم يختلفوا في " فتفجر الأنهار " أنها مشددة ، ووجه ذلك أبو حاتم بأن الأولى بعدها ينبوع وهو واحد ، والثانية بعدها الأنهار وهى جمع . وأجنب عنه بأن الينبوع وإن كان واحدا في اللفظ فالمراد به الجمع ، فإن الينبوع العيون التي لا تنضب . ويرد بأن الينبوع عين الماء والجمع الينابيع ، وإنما يقال للعين ينبوع إذا كانت غزيرة من شأنها النبوع كل من غير انقطاع والياء زائدة كيعبوب من عب الماء ( أو تكون لك جنة ) أي بستان تستر أشجاره أرضه . والمعنى هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنة ( من نخيل وعنب فتفجر الأنهار ) أي تجريها بقوة ( خلالها تفجيرا ) أي وسطها تفجيرا كثيرا ( أو تسقط